لماذا يبحث الشاب عن عمل بالسؤال من بيت إلى بيت
ما يعيشه الناس اليوم
الباحث عن عمل في مدني يسأل أقاربه وجيرانه، وصاحب المصنع الذي يعيد تشغيل آلاته يسأل معارفه عن لحام أو كهربائي، وقد يسكن الاثنان في الحي نفسه ولا يلتقيان. فمن له قريب يعرف صاحب العمل يجد الوظيفة، ومن ليس له أحد ينتظر.
ثم جاءت الحرب فزادت الحمل: قُدّر أن نحو ٤٫٦ مليون وظيفة فُقدت منذ بدايتها، وعاد إلى المدن المحررة كثيرون فقدوا أعمالهم ولا يعرفون أين يبحثون.
الحل الذي نقترحه في سطور
نقترح مكتب تشغيل قريباً يسجل الباحث عن عمل مجاناً ويدله على الوظيفة، ومنصة واحدة يعلن فيها صاحب العمل وظائفه مجاناً، ورقماً للبطالة كل ثلاثة أشهر يعرف به الناس هل تقل البطالة أم تزيد.
نبدأ بثلاثين مكتباً في السنة الأولى، ونصل إلى ١٥٠ مكتباً بنهاية السنة الثالثة إذا توفر المال وأثبتت المكاتب الأولى نتائجها. وخلاصة رسالتنا: الباحث عن عمل والباحث عن عامل يحتاجان مكاناً يلتقيان فيه.
السياسة في لمحة
أهم الأرقام وما تعنيه
• ٣٠ مكتباً في السنة الأولى: في عواصم الولايات الـ١٨ كلها وأكبر ١٢ مدينة بعدها، داخل مكاتب العمل القائمة، في كل مكتب ستة موظفين.
• ١٥٠ مكتباً بنهاية السنة الثالثة: وهو هدف الكتاب، ويتحقق بقدر ما يُدفع من مال وبشروط نتائج منشورة.
• أول رقم للبطالة قبل نهاية السنة الأولى: ثم رقم كل ثلاثة أشهر يقيسه الجهاز المركزي للإحصاء بمسح للأسر.
• الكلفة: حتى ١٥٫٢٢ مليون دولار في خمس سنوات، سقفاً تقديرياً يُراجع بعد أول مناقصة، منها ٢٫٠٩ مليون في السنة الأولى.
هذه أهداف وتقديرات نقيس بها أنفسنا، لا نتائج مضمونة. وهي سياسة يقترحها الحزب، وليست قراراً نافذاً. وكل المدد في هذا الموجز تُحسب من تولي الحزب السلطة عبر انتخابات ديمقراطية.
لماذا لا نعرف كم تبلغ البطالة
أرقام متباعدة لا تصلح للمحاسبة
معدل البطالة هو نسبة من يبحثون عن عمل ولا يجدونه إلى كل من يعملون أو يبحثون عن عمل. وهو رقم يُقاس بمسح تسأل فيه فرق الإحصاء عينة من الأسر عن عملها.
وآخر مسح من هذا النوع للقوى العاملة في السودان أُجري في ٢٠١١. وفي ٢٠٢٢ وجد مسح لسوق العمل أن البطالة ٨٪، و٢٥٪ بين نساء المدن. ومنذ الحرب لا يوجد مسح، فتباعدت التقديرات: منظمة العمل الدولية توقفت عند ٧٫٥٪ لعام ٢٠٢٢، والبنك الدولي قدّرها بـ٤٧٪ في ٢٠٢٤، وصندوق النقد الدولي بنحو ٦١٪ لعام ٢٠٢٥. والفرق بين أدنى رقم وأعلاه نحو ثمانية أضعاف.
وهذا يعني أن أي حكومة تستطيع أن تقول ما تشاء عن البطالة، ولا يستطيع المواطن أن يحاسبها.
لماذا لا تعمل مكاتب الاستخدام القائمة
ينظم قانون العمل لسنة ١٩٩٧ مكاتب استخدام يسجل فيها الباحثون عن عمل وتطلب منها المنشآت المرشحين. لكنها بُنيت لعصر الورق، بإجراءات ورقية للتسجيل والإعلان، فأصبحت عبئاً يتجنبه أصحاب العمل. ولم نجد أرقاماً منشورة عن عدد من سجلوا فيها أو وجدوا عملاً عبرها.
ويضاف إلى ذلك أن ٩٨٪ من العمل المأجور في القطاع الخاص كان غير منظم في ٢٠٢٢، أي دون عقد مسجل ولا إعلان رسمي، فتُشغل الوظائف بالمعارف.
وما لا تعالجه هذه السياسة وحدها: قلة الوظائف نفسها، فهي تحتاج نمواً وتمويلاً وتدريباً تعالجه سياسات أخرى.
كيف يعمل الحل
مكتب قريب يعرف أصحاب العمل
في كل مكتب مدير وأربعة مستشارين للتشغيل وموظف بيانات، أغلبهم من موظفي مكاتب العمل الحالية بعد تدريبهم. يسجل المستشار الباحث ومهاراته، ويزور أصحاب العمل في نطاقه ليجمع وظائفهم، ويرشح لكل وظيفة مرشحين مناسبين خلال أسبوعين، ويتابع بعد ثلاثة أشهر هل بقي من عُين في عمله.
ويحيل المكتب من يحتاج تدريباً إلى مراكز التدريب المهني القائمة، ومن يريد العمل لحسابه إلى برامج التمويل الأصغر. ويخرج يوماً في الشهر على الأقل إلى المحليات المجاورة وتجمعات النازحين والعائدين.
منصة واحدة دون منصة جديدة
أعدت الحكومة منصة للتوظيف في أجهزة الدولة. نقترح توسيعها لتضم وظائف القطاع الخاص بدل بناء منصة ثانية. يسجل فيها الباحث برقمه الوطني، ويعلن صاحب العمل وظيفته فيأخذ رقم الإعلان في اليوم نفسه بدل الإذن الورقي.
وتعمل من الهاتف وبالرسائل النصية، ويسجل المكتب من لا يملك هاتفاً، لأن أقل من نصف البالغين كانوا يملكون هاتفاً في ٢٠٢٢. ولا تصل بيانات أي شخص إلى صاحب عمل إلا بعد موافقته على الترشيح.
إعلان الوظائف: مجاني ومتدرج
في السنة الأولى تعلن المنشآت التي تشغل ٥٠ عاملاً فأكثر وظائفها في المنصة، ومن السنة الثانية كل منشأة تشغل ١٠ فأكثر. الإعلان مجاني، والمكتب يرشح أولاً خلال أسبوعين، فإن لم يرشح من يناسب الوظيفة عين صاحب العمل من يختار وأبلغ المكتب. ولا جزاء قبل سنة توعية، ولا جزاء إلا على من يمتنع عن الإعلان أو عن الإبلاغ، وفي حدود القانون. وتُراجع النصوص النافذة في الجريدة الرسمية قبل التنفيذ، وأي إجراء يحتاج تعديلاً تشريعياً يُعرض على الجهة التشريعية المختصة أولاً.
رقم البطالة كل ثلاثة أشهر
يسأل الجهاز المركزي للإحصاء في كل جولة عينة تقديرية من نحو ٦٬٠٠٠ أسرة: جولتان في السنة الأولى ثم أربع في كل سنة. وينشر خلال ٤٥ يوماً من نهاية كل ربع معدل البطالة وبطالة الشباب والنساء حسب الولاية، ويذكر المناطق التي لم يصلها بسبب الأمن، فلا يُقدَّم رقم قومي لم يُقس.
ولماذا يحتاج الحل هذه الأجزاء معاً: المكتب دون منصة لا يرى إلا حيه، والمنصة دون مكتب لا تصل إلى من لا هاتف له، والاثنان دون مسح لا يعرفان هل تغير شيء.
ما الخطوات ومتى
ثلاث مراحل
• الأشهر الثلاثة الأولى: قرار من الوزير بإنشاء المكاتب وجعل المنصة بديلاً للإجراءات الورقية، بعد مراجعة النصوص النافذة.
• السنة الأولى: توسيع المنصة، وافتتاح ٣٠ مكتباً، وإعلان وظائف المنشآت الكبيرة، وأول رقم للبطالة.
• السنة الثانية: ٣٠ مكتباً إضافياً، وإعلان وظائف كل منشأة تشغل ١٠ فأكثر، ورقم البطالة كل ثلاثة أشهر.
• السنة الثالثة: ٩٠ مكتباً إضافياً ليصل العدد إلى ١٥٠.
ولا يُفتح فوج جديد إلا إذا دُفع بند المكاتب السابقة في موعده ١٢ شهراً، ونشرت كل المكاتب نتائجها الشهرية، وبلغت تعييناتها ٦٠٪ من هدفها. فإن لم يتحقق ذلك يتأخر الفوج ويبقى الهدف. الجهة المسؤولة وزارة الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية، والجهاز المركزي للإحصاء للمسح، وحكومات الولايات للمقار.
ماذا يتغير في حياة الناس
للباحث عن عمل ولصاحب العمل
الخريج الذي ينتظر منذ سنتين يجد من يسجل مؤهله ويرشحه، ويعرف لماذا لم يُرشح إن سأل. وصاحب المصنع يعلن وظيفته مجاناً ويجد مرشحين خلال أسبوعين. والعائد إلى مدينته يجد مكاناً يبدأ منه.
هدفنا التقديري ١٥ تعييناً في الشهر لكل مكتب، أي نحو ٢٧٬٠٠٠ تعيين في السنة عند اكتمال الشبكة. وهذا رقم نحاسب أنفسنا عليه، لا وعد بوظيفة لكل مسجل: المكتب لا يخلق الوظائف، بل يقصر الطريق إليها.
من يستفيد وكيف تصل إليه الخدمة
الخدمة مجانية ولها أولويات
التسجيل والترشيح مجانيان للجميع. ونصف مقاعد التدريب التي تحيل إليها المكاتب ومعارض التوظيف التي تنظمها للشباب من ١٥ إلى ٢٩ سنة، و٤٠٪ للنساء، و٢٠٪ للعائدين والنازحين. والفئات تتداخل، فالشابة العائدة تُحسب في الثلاث، ولا تُفرض أي نسبة على تعيين صاحب العمل.
ويحق للأشخاص ذوي الإعاقة الذين يحملون شهادة المجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة أن يُرشحوا بأولوية للوظائف التي تناسب مؤهلاتهم، ولوظائف الدولة في حدود نسبة ٢٪ المقررة لهم. ويجدون في كل مكتب مدخلاً ميسراً وموظفاً يتواصل بلغة الإشارة، ومنصة تقرؤها برامج قراءة الشاشة.
كم تكلف السياسة ومن أين يأتي تمويلها
الكلفة وما تشمله
حتى ١٥٫٢٢ مليون دولار في خمس سنوات، وهو سقف لا يتجاوزه الإنفاق: ٤٫٤٨ مليون تُدفع مرة واحدة لتجهيز المكاتب وتدريب الموظفين وتوسيع المنصة وتصميم المسح، و١٠٫٧٤ مليون كلفة متكررة للمرتبات والتشغيل والمسح. والسنة الأولى ٢٫٠٩ مليون، والثالثة هي الأعلى (٤٫٧٤ مليون) لأنها تفتح ٩٠ مكتباً، ثم نحو ٣٫٠٠ مليون في كل سنة.
وتشغيل المكتب الواحد بين ٩٬٣٤٤ و١٥٬٢٥١ دولاراً في السنة بحسب سعر الصرف والتضخم، والتقدير الأوسط ١٣٬٢٧١، نصفها تقريباً سقف لمرتبات الموظفين يُحدد في حدوده عددهم، لأننا لم نجد جدول مرتبات منشوراً للخدمة المدنية. والمسح حتى ٠٫٨٤ مليون دولار في السنة. وهذه كلها تقديرات تُراجع بعد أول مناقصة، فإن ارتفعت الأسعار قل عدد المكاتب الجديدة ولم يرتفع الإنفاق.
وحسبنا الدولار بالسعر الرسمي (٤٬٢٠٠ جنيه)، وكان سعر السوق الموازي ١٠٬٠٠٠ جنيه، كما نقلتهما وكالة رويترز في ٢١ أكتوبر ٢٠٢٦.
هل يستطيع السودان أن يدفع؟
كلفة السنة الأولى تعادل نحو ٠٫١٢٪ من الإيرادات الحكومية المقدرة، أي نحو ١٢ جنيهاً من كل ١٠٬٠٠٠ جنيه تجمعها الحكومة، وسنة الذروة نحو ٠٫٢٧٪. وقسنا ذلك على ناتج يقدره صندوق النقد الدولي بنحو ٣٠٫٩ مليار دولار في ٢٠٢٦، وإيرادات تقارب ٥٫٨٪ منه. ولم تُنشر أرقام موازنة ٢٠٢٦ ولا مخصص الوزارة فيها.
وإذا هبط الجنيه إلى سعر السوق الموازي ترتفع الحاجة بالجنيه لأن الأجهزة تُشترى بالدولار، وإذا ضاقت الإيرادات إلى النصف يتوقف فتح المكاتب الجديدة ويبقى حد أدنى: ٣٠ مكتباً والمنصة والمسح بنحو ١٫٤١ مليون دولار في السنة.
ما المؤكد وما ليس مؤكداً
• من الموازنة العامة: المرتبات، وأغلب الموظفين موجودون أصلاً، وتشغيل المنصة، وبند ثابت للمسح في موازنة الجهاز المركزي للإحصاء.
• من الشركاء إن وُقّع: التجهيز لمرة واحدة. ولا نعده مؤكداً قبل التوقيع؛ فإن لم يُوقع شيء في ستة أشهر تُجهز المكاتب الثلاثون الأولى بإعادة ترتيب بنود الوزارة وتتأخر البقية.
• ما لا تموله السياسة: إعانات البطالة، ومرتبات المتدربين، ودعم أجور من يُعين. ولا تُمول بالاقتراض من البنك المركزي ولا بطباعة النقود، ولا رسوم فيها على الباحث ولا على صاحب العمل.
ماذا تعلمنا من التجارب
تجربة رواندا
افتتحت كيغالي مركزاً للتوظيف في مايو ٢٠١٣، ينشر فيه أصحاب العمل وظائفهم مجاناً. واحتاج المركز إلى لقاءات ومذكرات تفاهم مع الشركات حتى تستعمله، ثم فُتحت مراكز في مدينتين أخريين. ومنذ فبراير ٢٠١٩ تنشر رواندا رقم البطالة كل ثلاثة أشهر بتمويل حكومي.
ما نأخذه: نبدأ بأصحاب العمل لا بالباحثين وحدهم، ونتوسع بالتدريج، ونمول المسح من الموازنة. ونجاح رواندا لا يضمن النجاح في السودان، والحرب والأمن عندنا تحدٍّ لم تواجهه بالحجم نفسه.
ما تقوله الدراسات
تشير الدراسات إلى أن خدمات الربط بين الباحث والوظيفة رخيصة لكن أثرها على التشغيل صغير في المتوسط، ويزيد بعد سنتين أو ثلاث. ووجدت تجربة في أديس أبابا أن مساعدة الشباب على إظهار مهاراتهم لأصحاب العمل رفعت أجورهم واستقرار عملهم بعد أربع سنوات، بينما كان أثر المنصات الإلكترونية وحدها ضعيفاً. لذلك نجعل في كل مكتب مستشاراً يتابع الباحث بنفسه. ولا نعدكم بأن المكاتب تخلق الوظائف، بل بأنها تقصر الطريق إليها بكلفة قليلة، وتعطي البلد رقماً تُبنى عليه سياسات التدريب والتمويل.
ما المخاطر وكيف نواجهها
مخاطر حقيقية وردودنا
• أصحاب العمل لا يأتون: زيارات المستشارين، والإعلان المجاني، والشراكة مع الغرف التجارية. وقد يبقى الإقبال ضعيفاً في البداية، ولهذا احتاجت كيغالي إلى مذكرات تفاهم مع الشركات.
• تسجيل كثير وتعيين قليل: كما في ناميبيا حيث وجد نحو ١١ من كل ١٠٠ مسجل عملاً في ٢٠٢٣/٢٠٢٤. ردنا هدف لكل مكتب ونشر نتائجه وربط التوسع به.
• الواسطة في الترشيح: الترشيح بمطابقة المهارات، وكل ترشيح ونتيجته مسجلان، ويحق لكل باحث معرفة سبب عدم ترشيحه.
• انقطاع الكهرباء والإنترنت: طاقة شمسية في كل مكتب، وتسجيل ورقي مؤقت يُدخل لاحقاً.
• نقص المال: حد أدنى ممول يبقي ٣٠ مكتباً والمسح، ويتأخر التوسع دون أن يتوقف القياس.
كيف تحاسبنا
أرقام ننشرها في مواعيدها
• كل شهر: لكل مكتب عدد المسجلين والوظائف المعلنة والمرشحين والمعينين، حسب الجنس والعمر والإعاقة والولاية.
• كل ثلاثة أشهر: معدل البطالة من الجهاز المركزي للإحصاء، خلال ٤٥ يوماً من نهاية الربع.
• كل سنة: تقرير بكلفة كل تعيين.
إذا لم يصدر أول رقم للبطالة قبل نهاية السنة الأولى، أو بقيت تعيينات المكاتب دون هدفها، فالسياسة متعثرة، ومن حقك أن تسألنا لماذا.
صلة السياسة برؤية الحزب
خطوة نحو هدف أكبر
يضع كتاب الحزب هدف خفض البطالة دون ٦٪ خلال عشر سنوات ضمن رؤية أن يصبح السودان من أفضل خمس دول أفريقية. وهذه السياسة لا تحقق ذلك وحدها، لكنها تجعل الهدف قابلاً للقياس، وتقصر طريق الباحث إلى الوظيفة، وتعمل مع سياسات التدريب المهني والتمويل الصغير وبطاقة العمل في البرنامج نفسه.