لماذا يمشي الراعي أسابيع ويخاف المزارع على زرعه
ما يعيشه الناس اليوم
راعٍ يقطع بقطيعه مئات الكيلومترات كل سنة بحثاً عن الماء والمرعى، فيمر على المزارع ويدخل الزرع لأن الطريق غير معلوم أو أغلقته المزارع، ثم يبدأ نزاع يتكرر كل موسم. ومزارع يزرع وهو يخشى أن يضيع تعب موسمه في يوم واحد. وأسر نازحة تعود إلى أرض لا ماء فيها ولا قواعد معلومة لاستعمالها.
والترحال نفسه ليس المشكلة، فهو طريقة إنتاج قديمة تعيش عليها أسر كثيرة. المشكلة أنه أصبح ترحالاً قسرياً: الماء بعيد عن الطريق، والطريق غير مرسوم، والقاعدة غير مكتوبة.
الحل الذي نقترحه في سطور
نقترح أن يجد القطيع الماء على مسار معلوم، مرسوم بعلامات ثابتة ومسجل أرضاً للاستعمال العام، اتفق عليه الرعاة والمزارعون معاً، ولكل مسار مجلس مشترك يحدد مواعيده ويفصل في الشكاوى بتعرفة معلنة.
نبدأ بثلاثة مسارات في السنوات الثلاث الأولى، ونتوسع بشروط منشورة. وخلاصة رسالتنا: «الموية في طريق البهايم، والزرع في أمان».
السياسة في لمحة
أهم الأرقام وما تعنيه
• ثلاثة مسارات في ثلاث سنوات: طولها التخطيطي حتى ٤٬٥٠٠ كيلومتر، وهو قريب مما رسمه برنامج سوداني سابق في كردفان (٤٬٤٧٠ كيلومتراً). الرقم سقف، والطول الفعلي يتحدد بالاتفاق على الأرض وبالمناقصات.
• نقاط ماء في محطات الراحة: نستهدف أن تكون المحطات كل ٢٠ إلى ٣٠ كيلومتراً حيث يمكن، بدءاً بتأهيل الحفائر والآبار القائمة، وعددها يتحدد بالمناقصة داخل سقف حتى ١٢ مليون دولار.
• الكلفة: حتى ٢٣٫٦٨ مليون دولار في خمس سنوات، منها حتى ٤٫٧٦ مليون في السنة الأولى. وهي تقديرات تُراجع بعد أول مناقصة، ولا يتجاوز الإنفاق السقف.
هذه أهداف وتقديرات نقيس بها أنفسنا، لا نتائج مضمونة. وهي سياسة يقترحها الحزب، وليست قراراً نافذاً. وكل المدد في هذا الموجز تُحسب من تولي الحزب السلطة عبر انتخابات ديمقراطية.
لماذا يتحول الترحال إلى نزاع
ثلاثة أسباب تعمل معاً
الماء بعيد عن الطريق. يذكر تقرير للهيئة الحكومية للتنمية (إيقاد) أن قطعاناً من دارفور وكردفان تمشي حتى ٤٥ يوماً لتصل إلى أسواق الخرطوم، وأن الحفائر، وهي برك كبيرة محفورة تجمع ماء المطر، قليلة بالنسبة لعدد الحيوانات والمسافات. وحين يقل الماء يبتعد الراعي أو يتجمع الناس حول القليل الموجود.
الطريق غير معلوم. حين لا تكون حدود المسار مرسومة ومسجلة، تتوسع الزراعة داخله، فيصطدم القطيع بالزرع. وفي ولاية سنار رصدت صور الأقمار الصناعية أن المساحة المزروعة داخل مسار انخفضت بأكثر من ٧٬٥٠٠ هكتار بعد إعادة ترسيمه.
القاعدة غير مكتوبة. متى يُفتح المسار، ومتى يُسمح بالرعي على بقايا الحصاد، وكم يُعوض المزارع إذا أُتلف زرعه: أسئلة لا يجد الطرفان لها جواباً مكتوباً، فيُحل كل نزاع من أوله.
حجم من يمسهم ذلك
نقلت قناة الجزيرة عن وزارة الثروة الحيوانية أن عدد رؤوس الماشية في السودان كان قبل الحرب أكثر من ١٣٨ مليون رأس. ويعيش على الرعي ملايين الأسر. ويضاف إلى ذلك أكثر من ٩ ملايين نازح داخلياً ونحو ٣٫٨٦ مليون عائد حتى مارس ٢٠٢٦ بحسب المنظمة الدولية للهجرة، يحتاج كثير منهم إلى ماء وقواعد معلومة ليعودوا إلى الإنتاج.
وما لا تعالجه هذه السياسة وحدها: الجفاف وتغير المطر، وانعدام الأمن في بعض المناطق، وحقوق ملكية الأفراد والأسر في الأرض، ولهذه سياسات أخرى.
كيف يعمل الحل
مجلس لكل مسار يتفق عليه الطرفان
نصف المجلس من الرعاة ونصفه من المزارعين على طول المسار، ومعهم ممثلو الإدارة الأهلية والمحليات والبيطرة والمياه، وامرأتان على الأقل، وممثل للشباب، وممثل لمنظمات الأشخاص ذوي الإعاقة.
يرسم المجلس المسار على الخريطة مع أهل كل قرية، ويوقع اتفاقاً منشوراً يحدد حدوده ومحطات الراحة، ومواعيد فتحه وقفله، والرعي على بقايا الحصاد، وتعرفة التعويض عن إتلاف الزرع. وحيث لا يُتفق على حدود يُعاد تخطيط المسار أو يُستبدل، فلا يُنفذ مسار فوق رفض أهل المكان.
مسار مرسوم ومسجل
يُرسم المسار بعلامات ثابتة يراها الطرفان على الأرض، حتى ١٬٥٠٠ كيلومتر في السنة، ويُسجل في سجل أراضي الولاية أرضاً للاستعمال العام لا تُخصص للزراعة أو غيرها. ويُنسق التسجيل مع سياسة الحزب «سند ملكية لكل قطعة أرض» التي تسجل حقوق الأفراد والأسر.
وقبل التنفيذ نراجع القوانين النافذة كما نُشرت في الجريدة الرسمية، وإن احتاج أي إجراء إلى تعديل قانوني يُعرض أولاً على الجهة التشريعية المختصة.
ماء على الطريق تُموَّل صيانته
تُبنى نقاط الماء في محطات الراحة، بدءاً بتأهيل الحفائر والآبار القائمة لأنه أسرع وأرخص، ثم الجديد في المقاطع الأطول دون ماء. ويبقى ماء الشرب للناس مجاناً، وعلى سقي القطيع رسم صيانة رمزي يحدده مجلس المسار وينشره.
ولماذا الصيانة: في تشاد تعطلت آبار رعوية لأنه لم يكن لها نظام صيانة دائم. لذلك في السياسة بند صيانة من الموازنة كل سنة، إلى جانب الرسم.
شكوى تُحل خلال أسبوع
كل شكوى من إتلاف زرع أو إغلاق مسار تُقدم إلى مجلس المسار، فيفصل فيها بالتعرفة المعلنة خلال سبعة أيام ويسجلها في سجل منشور. ومن لم يقبل الحل يلجأ إلى المحاكم.
ولماذا الأجزاء معاً: الماء دون طريق معلوم يجمع القطعان حول نقطة واحدة، والطريق دون ماء لا يمنع الابتعاد، والاثنان دون قاعدة مكتوبة يتركان كل نزاع يبدأ من أوله.
ما الخطوات ومتى
ثلاث مراحل
• الأشهر الستة الأولى: وحدة وطنية للمسارات، ومعايير منشورة لاختيار المسارات الثلاثة: أكثرها نزاعاً، وأطولها سيراً، وإمكان عمل الفرق فيها بأمان.
• السنة الأولى: مجالس المسارات واتفاقاتها، وخط أساس للزراعة داخل كل مسار بصور الأقمار الصناعية، وبداية الترسيم ونقاط الماء.
• السنتان الثانية والثالثة: إكمال الترسيم ونقاط الماء، وفي السنة الثالثة اختيار موقعي أول قريتين نموذجيتين لمن يختار الاستقرار.
ولا نتوسع إلى مسارات جديدة إلا إذا دُفع بند الصيانة في موعده ١٢ شهراً، ولم تزد الزراعة داخل المسار عن خط الأساس، ونُشرت الشكاوى كل ثلاثة أشهر. والجهة المسؤولة الوزارة الاتحادية المسؤولة عن الثروة الحيوانية، مع وزارة الزراعة والري والولايات والمحليات.
ماذا يتغير في حياة الناس
للراعي والمزارع والنازح
الراعي يعرف طريقه ويجد الماء عليه، فيقصر طريقه ويصل قطيعه إلى السوق بوزن أفضل. والمزارع يعرف حدود المسار ومواعيده، ويعرف إلى من يشكو وكم يُعوض. والنازح الذي يختار الاستقرار يجد في القرية النموذجية أرضاً بحق انتفاع موثق، بأولوية له في الأرض المستصلحة.
والبيطرة المتنقلة والمدارس المتنقلة، وهي في مشاريع أخرى من البرنامج، تُجدول على تقويم المسار ومحطاته، فتعرف أين يكون القطيع ومتى. ولا نعد بإنهاء النزاع، بل بإزالة أسبابه الأكثر تكراراً.
من يستفيد وكيف تصل إليه الخدمة
خدمة للطرفين بالتساوي
يستفيد الرعاة والمزارعون على المسارات الأولى، ومن يعود من النازحين إلى قرى حولها. وتُختار المسارات بمعايير منشورة لا بانتماء أي جماعة، ونصف كل مجلس من كل طرف، وللنساء مقعدان على الأقل.
ويحق للأشخاص ذوي الإعاقة في أسر الرعاة والمزارعين أن يصلوا إلى الماء بأنفسهم، فتُبنى كل نقطة بممر ممهد ومصدر سقي منخفض يصل إليه مستخدمو الكراسي المتحركة. ويشارك ممثل لمنظماتهم في كل مجلس، ويشارك المجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة في مراجعة التصميم.
كم تكلف السياسة ومن أين يأتي تمويلها
الكلفة وما تشمله
حتى ٢٣٫٦٨ مليون دولار في خمس سنوات: حتى ٤٫٧٦ مليون في السنة الأولى، و٧٫٩٧ مليون في الثانية، و٨٫٣٩ مليون في الثالثة وهي الأعلى، ثم نحو ١٫٢٨ مليون في كل سنة بعدها للصيانة والتشغيل. منها ١٨٫٨٥ مليون تُدفع مرة واحدة: نقاط الماء حتى ١٢ مليوناً، والترسيم حتى ٦٫٣٥ مليون.
هذه تقديرات مبنية على كلفة ممرات مماثلة في النيجر ومشروع حفائر في القضارف وتقدير سوداني لكلفة الحفير، وتُراجع بعد أول مناقصة. وحسبنا الجنيه بالسعر الرسمي (٤٬٢٠٠ جنيه للدولار)، وكان سعر السوق الموازي ١٠٬٠٠٠ جنيه، كما نقلتهما وكالة رويترز في ٢١ أكتوبر ٢٠٢٦؛ فالسنة الأولى نحو ٢٠ مليار جنيه بالسعر الرسمي.
هل يستطيع السودان أن يدفع؟
كلفة السنة الأولى تعادل نحو ٠٫٢٧٪ من الإيرادات الحكومية المقدرة، أي نحو ٢٧ جنيهاً من كل ١٠٬٠٠٠ جنيه تجمعها الحكومة، وأعلى سنة نحو ٠٫٤٧٪. وقسنا ذلك على ناتج يقدره صندوق النقد الدولي بنحو ٣٠٫٩ مليار دولار في ٢٠٢٦، وإيرادات تقارب ٥٫٨٪ منه. ولم نجد موازنة منشورة للوزارة نقارن بها.
وإذا هبط الجنيه إلى سعر السوق الموازي تزيد الحاجة بالجنيه نحو ٢٫٤ مرة للبنود المسعرة بالدولار، وإذا تضاعف التضخم يقل ما يشتريه السقف نفسه إلى نحو ثلاثة أرباع الحجم، وإذا انخفضت الإيرادات إلى النصف نكتفي بمسار واحد بحد أدنى حتى ٢٫٤ مليون دولار في السنة، ولا يتوقف ما بُني.
ما المؤكد وما ليس مؤكداً
• من الموازنة العامة: الوحدة الوطنية والمجالس والرصد والترسيم في السنة الأولى والصيانة، أي حتى ٢٫٧٦ مليون دولار في السنة الأولى، من موازنة الوزارة والولايات بإعادة الترتيب.
• من الشركاء إن وُقّع: نقاط الماء والقريتان النموذجيتان. لا نعدها مؤكدة قبل التوقيع؛ فإن لم يُوقع شيء في ستة أشهر يقتصر العمل على تأهيل الحفائر القائمة.
• ما لا تموله السياسة: البيطرة والمدارس المتنقلة (في موازناتها)، وتعويض من يُنقل من أرضه، لأن المسار يُرسم بالاتفاق لا بالإخلاء. ولا تمويل بالاقتراض من البنك المركزي ولا بطباعة النقود.
ماذا تعلمنا من التجارب
تجربة تشاد
موّلت الوكالة الفرنسية للتنمية في وسط تشاد، بين ٢٠٠٩ و٢٠١٦، برنامجاً للماء الرعوي بـ١١ مليون يورو، خطط لـ٤٠ بئراً جديدة وتأهيل ٤٢ بئراً وترسيم ٣٠٠ كيلومتر من طرق الترحال، واختار الآبار والطرق بالاتفاق بين الطرفين، فسجل تقييمه غياب النزاعات. وما تعثر هو الصيانة، فلم يكن للآبار نظام دائم.
ما نأخذه: الماء والطريق المتفق عليه يعملان معاً، والصيانة تُمول من اليوم الأول. ونجاح تشاد لا يضمن النجاح في كل مسار عندنا.
تجربة سودانية سابقة
رسم برنامج سوداني في كردفان بين ٢٠٠٥ و٢٠١٧ نحو ٤٬٤٧٠ كيلومتراً من المسارات، وبنى أو أهل ٢٤ حفيراً، وأنشأ ستة مراكز لحل النزاعات، وسجل تقييمه انخفاض النزاعات على المسارات ٢٨٪. لكن الزراعة لم تتوقف عن التعدي إلا جزئياً، ولم يكن استمرار النتائج بعد التمويل مضموناً.
ولذلك نسجل المسار رسمياً، ونرصده كل سنة بالأقمار الصناعية، ونضع للصيانة بنداً ثابتاً، ونعطي المجلس تعرفة معلنة. والدراسات الميدانية تشير إلى أن انسداد الطرق وإتلاف الزرع والوصول إلى الماء من أكثر ما يذكره الطرفان سبباً للنزاع، ولم نجد دراسة تقيس أثر الترسيم وحده بتجربة مضبوطة، فنقيس أثرنا بأنفسنا.
ما المخاطر وكيف نواجهها
مخاطر حقيقية وردودنا
• رفض أحد الطرفين لحدود المسار: الاتفاق قرية بقرية، والمسار الذي لا يُتفق عليه يُعاد تخطيطه. وقد يتأخر بعض المسارات بسبب ذلك.
• عودة الزراعة إلى المسار: رصد سنوي بالأقمار الصناعية ونشر الخرائط، وشرط ألا تزيد الزراعة داخل المسار قبل أي توسع.
• تعطل نقاط الماء: بند صيانة ورسم رمزي، وهو درس تشاد.
• الأمن: نبدأ حيث يمكن العمل بأمان، وننتقل إلى المسار التالي إن تعذر، والسياسة للسودان كله.
• انحياز المجلس: تمثيل متساوٍ ونشر كل قرار، ودون مناصب مدفوعة، والمحاكم مفتوحة لمن لم يقبل الحل.
كيف تحاسبنا
أرقام ننشرها في مواعيدها
• كل ثلاثة أشهر: عدد الشكاوى على كل مسار وما حُل منها.
• كل سنة: خريطة الزراعة داخل كل مسار مقارنة بخط الأساس، وحالة كل نقطة ماء.
• بعد كل مناقصة: نتيجتها، وعدد الكيلومترات ونقاط الماء التي تحددت بها.
إذا لم تُرسم المسارات الثلاثة بنهاية السنة الثالثة، أو زادت الزراعة داخلها، أو لم يُنشر السجل في موعده، فالسياسة متعثرة، ومن حقك أن تسألنا لماذا.
صلة السياسة برؤية الحزب
خطوة نحو هدف أكبر
يريد كتاب الحزب أن يكون السودان ضمن أفضل خمس دول أفريقية في الزراعة خلال عشر سنوات، ويقيس ذلك أولاً بإنتاج الحبوب. وهذه السياسة لا تحقق ذلك وحدها، لكنها تعيد الأمان إلى الأرض حتى يزرع المزارع ويعود النازح ويصل القطيع إلى السوق، وتكمل خطة الحكومة المعلنة لمدن الإنتاج الحيواني بطريق فيه ماء.