لماذا تتغير الأولويات مع كل مسؤول
ما يعيشه المواطن اليوم
يأتي وزير جديد أو والٍ جديد أو معتمد جديد، فتتوقف المشروعات التي بدأها من قبله، ويبدأ هو من جديد. وتسأل محليتك عن الطريق الذي وُعدتم به فلا تجد ورقة مكتوبة تحاسبها عليها، لأنها لم تعد بشيء مكتوب أصلاً. وتُعتمد الموازنات كل سنة دون أن يعرف أحد ماذا ستشتري الجهة بالمال، ولا ماذا اشترت به في السنة الماضية.
الحل الذي نقترحه في سطور
نقترح أن تكتب كل جهة حكومية، اتحادية وولائية ومحلية، استراتيجية لخمس سنوات بأهداف وأرقام لكل سنة، يعتمدها المجلس التشريعي المختص وتُنشر، ثم تنشر كل سنة تقريراً بما أنجزت. والقاعدة التي تجعل ذلك حقيقياً: لا ميزانية لجهة دون استراتيجية معتمدة منشورة.
السياسة في لمحة
أهم ما فيها وما يعنيه
• كل الجهات: الوزارات الاتحادية والولايات الثماني عشرة ونحو ١٨٨ محلية.
• نموذج واحد للجميع: أهداف ومؤشرات سنوية بخط أساس ومستهدف، والمشروعات وتكلفتها، والمسؤول عن كل هدف، وحد أقصى لعدد المؤشرات.
• شهادة قبل الموازنة: لا يقبل منشور الموازنة موازنة جهة دون شهادة بأن لها استراتيجية معتمدة.
• المدة: الوزارات الاتحادية في السنة الأولى، والولايات في الثانية، والمحليات في الثالثة، من تولي الحزب السلطة عبر انتخابات ديمقراطية.
هذه أهداف نقيس بها أنفسنا لا نتائج مضمونة، وتحتاج إلى قرار من مجلس الوزراء وتعديل في قانون الموازنة يجيزه البرلمان.
لماذا لم تنجح الخطط السابقة
خطط كثيرة دون ربط بالمال
للسودان استراتيجية ربع قرنية من ٢٠٠٧ إلى ٢٠٣١، وخطة خمسية أولى من ٢٠٠٧ إلى ٢٠١١ طلبت خطة لكل وزارة وولاية متوائمة مع موازنتها. لكن الخطة نفسها ذكرت ضعف المتابعة وضعف التمويل. وفي ٢٠٢١ وجد صندوق النقد الدولي والبنك الدولي أن استراتيجية الحد من الفقر لا تملك خطة لتكلفتها وتمويلها، وأوصيا بأن تتواءم الموازنات معها.
والسبب الأساسي بسيط: كانت الموازنة تُعتمد للجهة سواء كانت لها خطة أم لا، ولم تُلزم الجهة بنشر خطتها ولا بنشر ما أنجزت. فبقيت الخطة ورقة، وبقيت الموازنة قراراً منفصلاً.
أين يقف السودان
في مؤشر البنك الدولي لفعالية الحكومة لسنة ٢٠٢٤ جاء السودان في المرتبة ٥٢ بين ٥٣ دولة أفريقية. وهذا المؤشر يقيس جودة الخدمات العامة وجودة إعداد السياسات وتنفيذها. أي أن المشكلة ليست غياب الموظفين أو المكاتب، بل غياب طريقة عمل تربط الوعد بالمال وبالنتيجة.
كيف يعمل الحل
الخطوات
في الشهر الأول يصدر قرار من مجلس الوزراء، وفي السنة الأولى يُعرض تعديل قانون الموازنة على البرلمان. وفي الأشهر الثلاثة الأولى تصدر الأمانة العامة للمجلس القومي للتخطيط الاستراتيجي النموذج الموحد.
وفي كل جهة وحدة تخطيط من موظفيها أولاً: أربعة في الجهة الاتحادية، وثلاثة في الولاية، واثنان في المحلية، بتدريب إلزامي. وتكتب الوحدة الاستراتيجية، ويعتمدها المجلس التشريعي المختص، وتُنشر على موقع الجهة وعلى بوابة موحدة، وتُعلق خلاصتها في مكاتب المحلية.
التقرير السنوي والتحقق
تنشر كل جهة تقرير إنجازها خلال ثلاثة أشهر من نهاية السنة المالية. ويتحقق الجهاز المركزي للإحصاء من عينة من المؤشرات كل سنة، ويُنشر ترتيب الجهات، فلا تستطيع جهة أن تكتب ما لا تنفذ دون أن يظهر ذلك.
حتى لا تتوقف الخدمات
إذا كانت الجهة جديدة أو وقعت حالة طارئة معلنة، يُسمح بموازنة مؤقتة لثلاثة أشهر لا تتجدد دون استراتيجية. فالمستشفى والمدرسة لا يُغلقان، والجهة تُلزم بأن تكتب خطتها. والمحلية المتأثرة بالحرب تُقبل منها في السنة الأولى خطة مختصرة بالنموذج نفسه.
ماذا يعني ذلك لك
للمواطن
تقرأ ما وعدت به محليتك هذه السنة، وتقرأ في السنة التالية ماذا أنجزت، وتعرف ترتيبها بين المحليات. ويصبح سؤالك للمسؤول سؤالاً عن وعد مكتوب.
للموظف
يتدرب موظف التخطيط ويعمل بنموذج واضح، ولا تضيع خطته حين يتغير المسؤول. والوزير الجديد يكمل الخطة أو يعدلها علناً أمام المجلس التشريعي.
ما قد يصعب في البداية
ستحتاج المحليات الضعيفة إلى وقت ودعم لتكتب خططها، وقد تتأخر بعض الموازنات حتى تكتمل الشهادات. ولهذا التدرج والموازنة المؤقتة.
كيف نضمن ألا يُترك أحد
كل المحليات لا العاصمة وحدها
تشمل السياسة كل الولايات والمحليات، فيعرف المواطن في أبعد محلية ما وعدت به حكومته، كما يعرفه المواطن في الخرطوم.
الأشخاص ذوو الإعاقة
تتضمن كل استراتيجية مؤشراً واحداً على الأقل لإتاحة خدمات الجهة للأشخاص ذوي الإعاقة، وتُصنف بيانات المستفيدين حسب الإعاقة حيث تقدم الجهة خدمة مباشرة. وتُستشار منظمات الأشخاص ذوي الإعاقة قبل الاعتماد، وتُنشر الاستراتيجية وتقريرها بصيغ ميسرة: نص يقرؤه قارئ الشاشة، وخلاصة بلغة الإشارة، وطباعة كبيرة عند الطلب. ولا تصدر الشهادة دون ذلك، وخصصنا لهذه الإتاحة نحو ١٠٠ ألف دولار في السنة.
كم تكلف السياسة ومن أين يأتي تمويلها
التكلفة
نقدّر التكلفة بنحو ١٫٩ مليون دولار في السنة الأولى، ونحو ٣٫٠٧ مليون في الثالثة حين تدخل المحليات، ثم نحو ٢٫٥٢ مليون في السنة. والمجموع نحو ٦٫٥٧ مليون دولار للسنوات الثلاث الأولى، ونحو ٢٤٫٢ مليون على عشر سنوات.
وتشمل مرتبات ٦٣٠ موظف تخطيط بافتراض ٢٥٠ دولاراً في الشهر، وتدريبهم، وبوابة النشر، وتحقق الجهاز المركزي للإحصاء، والمساعدة الفنية، والإتاحة. وهي حد أعلى، لأن كثيراً من هؤلاء الموظفين يعملون اليوم في إدارات التخطيط.
مثال للتوضيح فقط: بعد اكتمال السياسة تبلغ التكلفة نحو ١٠ آلاف دولار في السنة لكل جهة، وهو مبلغ صغير مقارنة بموازنة أي وزارة.
من أين يأتي المال
بند في الموازنة العامة لا يصبح مضموناً إلا حين يجيزه البرلمان، وإعادة توزيع موظفي التخطيط القائمين، ودعم الشركاء الدوليين في إصلاح المالية العامة، وهو دعم مأمول غير مضمون.
ماذا تعلمنا من تجارب غيرنا
غانا
وجدت غانا أن ٤٠٪ فقط من موازنات وزاراتها تطابق أنشطتها المخططة، فقررت في ٢٠٢٤ ألا تُعتمد موازنة جهة دون خطة معتمدة وشهادة. وقدمت ٧٩٪ من وزاراتها و٩١٫٢٪ من مجالسها المحلية تقاريرها لسنة ٢٠٢٣. ومنها أخذنا فكرة الشهادة.
كينيا ورواندا
في كينيا يمنع القانون تخصيص أموال عامة للمقاطعة دون إطار تخطيطي، لكن المقاطعات بقيت ضعيفة في الصرف على التنمية، فعرفنا أن الخطة وحدها لا تكفي دون تقرير منشور وتحقق. وفي رواندا تُنشر نتائج عقود الأداء كل سنة، لكن كثرة المؤشرات وتزوير البيانات أضعفاها، فوضعنا حداً للمؤشرات وتحققاً مستقلاً. ونجاح غيرنا لا يضمن نجاحنا، لكنه يرينا الطريق والأخطاء.
ما المخاطر وكيف نواجهها
أن تصبح الخطة ورقة شكلية
المواجهة: تحقق مستقل من عينة من المؤشرات ونشر الترتيب. وحدّها أن التحقق بالعينة لا يشمل كل مؤشر.
أن تتضخم المؤشرات أو تُزور البيانات
المواجهة: حد أقصى للمؤشرات، واعتماد المجلس التشريعي المختص، والتحقق المستقل.
أن يقاوم المسؤولون
المواجهة: الشرط في قانون الموازنة لا في قرار إداري، والاستراتيجية منشورة، فأي تغيير فيها يكون علنياً.
كيف تحاسبنا
ما ننشره
ننشر عدد الجهات التي لها استراتيجية معتمدة منشورة، ونسبة المؤشرات التي تحققت في كل جهة، وترتيب الجهات كل سنة. وتستطيع أن تقيس بنفسك: هل تجد استراتيجية وزارتك على موقعها في نهاية السنة الأولى، واستراتيجية ولايتك في الثانية، واستراتيجية محليتك في الثالثة؟ إذا لم تجدها فنحن متأخرون.
كيف تخدم هذه السياسة رؤية الحزب
الأساس الذي تُبنى عليه الدولة
رؤية الحزب أن يصبح السودان ضمن أفضل خمس دول أفريقية خلال عشر سنوات من توليه السلطة. وهذه السياسة وحدها لا تنقلنا إلى الخمسة الأوائل في فعالية الحكومة، لكنها الأساس الذي تقوم عليه بقية مشروعات البرنامج: فلا يمكن قياس جهة أو محاسبتها دون أن تعرف ماذا وعدت. ونستهدف معها تجاوز درجة سالب واحد في مؤشر فعالية الحكومة في السنة العاشرة، وهو مستهدف حزبي نحاسَب عليه.