لماذا يخسر المربي موسمه في يوم واحد
ما يعيشه الناس اليوم
مربي ضأن في كردفان يصرف شهوراً على تجهيز قطيعه لموسم التصدير إلى السعودية: علف وماء وتحصين وترحيل. ثم يُغلق السوق فجأة بسبب شرط صحي جديد أو إجراء لم يسمع به أحد، فتبقى الخراف في يده، ويضطر إلى بيعها بنصف سعرها أو أقل، لأنه لا يملك ما يصبر به.
والمشكلة ليست في جودة ماشيتنا. المشكلة أن المربي لا يعرف قبل الموسم الشروط التي ستُطبق على قطيعه، ولا توجد بين البلدين ورقة مكتوبة تنذره قبل الإغلاق أو تقصر مدته.
الحل الذي نقترحه في سطور
نقترح محضراً مكتوباً بين السودان والسعودية للشروط الصحية لتصدير الماشية الحية، تُعلن بموجبه شروط كل موسم قبله بستة أشهر على الأقل، ومعه محجران معتمدان في بورتسودان وسواكن، ومكتب دائم للماشية في سفارتنا في الرياض، وخدمة إنذار تصل المربين قبل الموسم.
وخلاصة رسالتنا: «شرطك بتعرفه قبل الموسم، ما بعد ما تقفل».
السياسة في لمحة
أهم الأرقام وما تعنيه
• ستة أشهر قبل الموسم: هي المدة التي نطلب أن تُعلن فيها شروط كل موسم. وهي المدة التي تعدها منظمة التجارة العالمية في العادة فترة معقولة بين نشر إجراء صحي وتطبيقه، وتكفي المربي ليجهز قطيعه للشرط الجديد.
• محجران معتمدان: المحجر مكان تُحجز فيه الماشية أياماً قبل الشحن لتُفحص وتُحصن. نؤهل محجري بورتسودان وسواكن القائمين، وندعو مفتشي البلد المستورد لاعتمادهما.
• الكلفة: حتى ١١٫٠ مليون دولار في خمس سنوات، منها حتى ٣٫٥ مليون في السنة الأولى. وهي تقديرات تُراجع بعد أول مناقصة، ولا يتجاوز الإنفاق هذا السقف.
هذه أهداف وتقديرات نقيس بها أنفسنا، لا نتائج مضمونة. وهي سياسة يقترحها الحزب، وليست قراراً نافذاً. وكل المدد في هذا الموجز تُحسب من تولي الحزب السلطة عبر انتخابات ديمقراطية.
لماذا يُغلق السوق فجأة
حجم ما يتوقف على سوق واحدة
بحسب بنك السودان المركزي صدّر السودان في ٢٠٢٥ حيوانات حية بقيمة ٤٦٦٫٢٦ مليون دولار، أغلبها ضأن (نحو ٣٫١٦ مليون رأس). وذهب إلى السعودية ما قيمته ٣٦٦٫٢٥ مليون دولار، أي نحو ٧٨٫٦٪، وارتفعت الحصة في النصف الأول من ٢٠٢٦ إلى نحو ٨٤٫٢٪.
ومعنى ذلك أن قرابة أربعة أخماس هذا الصادر تتوقف على قرار في سوق واحدة. وبالمتوسط يعني كل شهر إغلاق ما قيمته نحو ٣٠٫٥ مليون دولار من الصادر إلى السعودية.
ما حدث من قبل
أُغلق السوق السعودي أمام الماشية السودانية من نوفمبر ٢٠٠٧ إلى أغسطس ٢٠٠٨، أي قرابة سنة، ثم من منتصف أكتوبر ٢٠١٩ إلى أواخر يناير ٢٠٢٠ بعد ظهور حمى الوادي المتصدع، وهو مرض ينقله البعوض ويصيب الماشية والإنسان.
وتسجل دراسة ميدانية أن السعر الحقيقي للضأن في أم درمان انخفض ٢٩٪ في الحظر الأول، وأن التجار والرعاة ذكروا في ٢٠٢٠ أن الأسعار نزلت إلى ما بين الثلث والنصف. وذكر تجار أن نحو ثماني بواخر رُدت في ٢٠١٩، ولم تكن في سواكن مرافق تستوعبها فنفق كثير من الضأن.
أربعة أسباب تعمل معاً
الشروط غير مكتوبة في اتفاق معلن. حين يتغير شرط دون إعلان مسبق لا يجد المربي وقتاً ليجهز قطيعه.
الثقة في المحجر والشهادة ضعيفة. الشهادة الصحية ورقة يوقعها الطبيب البيطري الرسمي تقول إن الدفعة سليمة، والمستورد يقبلها بقدر ثقته في المحجر الذي فُحصت فيه.
المرض يأتي ويعود. حمى الوادي المتصدع وغيرها تدفع الدول إلى قيود سريعة، ولا يمنعها أي اتفاق، لكن يمكن تقصيرها وحصرها في المناطق المصابة.
لا جهة دائمة تتابع الملف في بلد السوق. فلا يجد المصدر من يشرح سبب رد شحنته أو يتابعها.
وما لا تعالجه هذه السياسة وحدها: انتشار الأمراض في مناطق الإنتاج، وأوضاع الطرق والأمن، وعقود العمالة السودانية في السعودية التي يتناولها المشروع نفسه في كتاب الحزب، وتُعالج في سياسة مستقلة.
كيف تعمل السياسة
المحضر المكتوب
المحضر ورقة يوقعها البلدان تحدد شروط الصحة التي تُطبق على الماشية الحية وشكل الشهادة الصحية. والسعودية تستعمل هذه الأداة فعلاً: فقد رفعت حظر اللحوم عن الصومال في ٢٠٢٢ بعد توقيع محضر للشروط الصحية والفنية وشهادة صحية بين البلدين.
نقترح أن يتضمن المحضر: شروط كل موسم تُعلن قبله بستة أشهر على الأقل، وقائمة المحاجر المعتمدة، والاعتراف بالشهادة التي يصدرها الطبيب البيطري الرسمي، وما يحدث عند ظهور مرض، وفحصاً مشتركاً لكل شحنة تُرد مع تقرير مكتوب يشرح السبب.
عند ظهور مرض
لا يستطيع أي اتفاق أن يمنع بلداً من حماية صحة أهله. لذلك نطلب في المحضر ثلاثة أشياء: إخطاراً فورياً لمكتبنا في اليوم نفسه، وحصر القيد في المناطق المصابة وحدها حيث تسمح قواعد المنظمة العالمية لصحة الحيوان، وموعداً معلناً لمراجعة القيد.
ويبلغ المكتب المربين خلال يومين، وتُؤوى الماشية في المحاجر بالماء والعلف، ويُعرض على المصدرين الذبح في المسالخ المعتمدة للتصدير، وهو ما تكمله سياسة الحزب «نصدّر اللحم لا الماشية الحية».
المحاجر والمكتب والإنذار
• المحجران: نؤهل محجري بورتسودان وسواكن بعزل الحيوانات المريضة، ومدة حجز وفحص، وتسجيل كل دفعة، ونربط المحاجر الأخرى، ومنها الكدرو، بنظام معلومات واحد تصدر منه الشهادة إلكترونياً.
• المكتب الدائم: طبيب بيطري ملحق بسفارتنا في الرياض ومعه موظفان، يتابعون الشروط والشحنات والشكاوى ويرفعون تقريراً كل شهر.
• خدمة الإنذار: تنشر الشروط قبل الموسم وأي تغيير فيها عبر اتحادات المربين والإذاعة والرسائل النصية والصوتية، ولا تحتاج هاتفاً ذكياً.
وتعمل الأجزاء معاً: المحضر يحدد الشروط، والمحجر والشهادة يثبتان الوفاء بها، والمكتب يتابع، والإنذار يوصل الخبر إلى المربي.
ما الذي يحدث أولاً وما الذي يحدث بعده
مراحل التنفيذ
• الأشهر الستة الأولى: فتح مكتب الماشية في السفارة، واقتراح لجنة فنية مشتركة للصحة الحيوانية وتجارة الماشية تحت المجلس الأعلى للتعاون والتنسيق الاستراتيجي الذي وقع البلدان وثيقة إنشائه في ١٧ أغسطس ٢٠٢٦، وجمع الشروط المطبقة اليوم ونشرها بالعربية، ومراجعة القوانين النافذة قبل التنفيذ.
• السنة الأولى: التفاوض على المحضر، وبدء خدمة الإنذار، وبدء نظام الفحص والشهادة الإلكترونية.
• السنتان الأولى والثانية: تأهيل المحجرين ودعوة مفتشي البلد المستورد لاعتمادهما.
• كل سنة بعدها: مراجعة المحضر في اللجنة المشتركة، ونشر تقرير سنوي.
وتتولى التنفيذ وزارة الخارجية مع وزارة الثروة الحيوانية والسمكية والإدارة العامة للمحاجر وصحة اللحوم فيها. وإن تطلب أي إجراء تعديلاً في القانون، يُقدم مشروع التعديل للجهة التشريعية المختصة قبل تطبيقه.
ماذا يتغير في حياة الناس
من يستفيد وكيف
المربي الصغير: يعرف الشرط قبل أن يصرف على التجهيز، ويصله الخبر مجاناً. وهو أكثر من يخسر حين يُغلق السوق، لأنه يبيع بأي سعر.
المصدر: يجد محجراً معتمداً مفتوحاً لكل مصدر مسجل بالرسم نفسه، ومكتباً يتابع شحنته إذا رُدت.
العاملون في المحاجر والنقل والموانئ: يعملون في صادر أكثر انتظاماً.
وما قد يثقل في البداية: رسم خدمة صغير على كل رأس يمر بالمحجر، وشروط فحص أدق قد تطيل الحجز أياماً.
حماية الأضعف والوصول إلى الجميع
المحجر مفتوح لكل مصدر مسجل بالرسم نفسه، والرسم وقائمة المحاجر المعتمدة منشوران، والشهادة والرقابة تبقيان بيد الدولة حتى لا يتحكم في المحجر كبار المصدرين.
ويحق للأشخاص ذوي الإعاقة من المربين والعاملين في التصدير أن تصلهم الشروط والإنذارات بالصيغة التي تناسبهم، برسائل صوتية ومقاطع بلغة الإشارة. ويشارك المجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة في تصميم الخدمة، وتُبنى مداخل المحجرين المؤهلين ميسرة.
ما تكلفة السياسة ومن أين يأتي تمويلها
الكلفة وما تعنيه
سقف الإنفاق حتى ١١٫٠ مليون دولار في خمس سنوات: حتى ٣٫٥ مليون في السنة الأولى، و٤٫٥ مليون في الثانية، ثم مليون في كل سنة. منها ٦٫٥ مليون تُدفع مرة واحدة لتأهيل المحجرين ونظام الشهادة، و٤٫٥ مليون للمكتب واللجنة والإنذار وتشغيل المحجرين على مدى السنوات الخمس.
وبالجنيه تعادل السنة الأولى نحو ١٤٫٧٠ مليار جنيه بالسعر الرسمي (٤٬٢٠٠ جنيه للدولار) ونحو ٣٥٫٠٠ مليار بسعر السوق الموازي (١٠٬٠٠٠ جنيه)، كما نقلت رويترز السعرين في ٢١ أكتوبر ٢٠٢٦.
وللمقارنة: السنة الأولى نحو ٠٫٢٠٪ من إيرادات الحكومة المقدرة، والسنوات الخمس كلها أقل من ٢٫٤٪ من قيمة صادر الحيوانات الحية في سنة واحدة. ولا تشمل الكلفة تأهيل المسالخ ولا التحصين في مناطق الإنتاج. وهذه الأرقام تقديرات تخطيطية، لأننا لم نجد كلفة منشورة لتأهيل محجر في السودان، وتُراجع بعد أول مناقصة.
ما هو ممول الآن وما ينتظر
ممول من الموازنة الآن بإعادة الترتيب: المكتب واللجنة والفحص والإنذار والتقرير، نحو مليون دولار في السنة الأولى.
يُسترد برسم: تشغيل المحجرين وصيانتهما، برسم صغير على كل رأس يُحدد بالجنيه ويُعدل كل سنة بالأسعار. بحساب صادر ٢٠٢٥ يكفي رسم يعادل نحو ١٢ سنتاً من الدولار للرأس، أي نحو ٥١٦ جنيهاً بالسعر الرسمي.
ينتظر تمويلاً لم يُوقع: تأهيل المحجرين، ونقترح عرضه على شركاء التنمية أو على شراكة بشروط منشورة. فإن لم يُوقع شيء خلال ستة أشهر نؤهل محجراً واحداً للعزل والفحص بما تسمح به الموازنة.
ولا نمول السياسة بالاقتراض من البنك المركزي ولا بطباعة النقود. وحصائل الصادر، أي العملة الأجنبية التي يجلبها المصدرون، تدخل المصارف ولا تُعد إيراداً للموازنة. وإذا نزلت الإيرادات إلى النصف تنكمش السياسة إلى المكتب واللجنة والإنذار والتقرير، حتى نصف مليون دولار في السنة.
ماذا تعلمنا من تجارب سابقة
تجربة السودان
يعمل محجر الكدرو منذ ١٩٧٣ ويتسع لمئة ألف رأس من الضأن والماعز، وقد صدّر نحو ١٢٨ ألف رأس من الضأن إلى السعودية بين يناير وأوائل مايو ٢٠٢٦. وعاد الصادر بعد كل حظر سابق، لكنه عاد كل مرة دون محضر مكتوب يمنع تكرار المفاجأة، فتكرر الإغلاق في ٢٠١٩ بعد ٢٠٠٧.
تجربة الصومال
حُظرت ماشية الصومال في السعودية من سبتمبر ٢٠٠٠ إلى نوفمبر ٢٠٠٩، فانخفض صادره من مليوني رأس إلى ٥٠ ألفاً. ثم أُنشئ محجر رسمي معتمد في ميناء بربرة، ونظام للشهادة الصحية، فرُفع الحظر، وسجل الصومال في ٢٠١٤ أعلى صادر منذ عشرين سنة، بنحو ٣٦٠ مليون دولار بحسب الأمم المتحدة.
لكن حظراً جزئياً عاد في ٢٠١٦، وسُجل أن كبار المصدرين تحكموا في المحاجر. ودرسنا منه: المحضر والمحجر والشهادة يعملون معاً، والرقابة تبقى بيد الدولة. وتجربة غيرنا ليست ضماناً لنا.
ما الذي قد يعرقلها وكيف نرد
المخاطر وحدود الرد
• أن يتأخر توقيع المحضر: القرار يحتاج موافقة الطرف الآخر. الرد أن المكتب والإنذار والمحاجر تبدأ دون انتظار، لأنها تفيد وحدها. وحد الرد أن الإعلان المسبق نفسه يحتاج التوقيع.
• ظهور مرض: قد يُغلق السوق رغم المحضر. الرد إجراء الطوارئ وحصر القيد حيث تسمح القواعد، والإيواء والذبح للتصدير. وحده أن الحصر يقرره المستورد.
• تحكم كبار المصدرين في المحاجر: الرد رسم واحد منشور لكل مصدر، والشهادة بيد الدولة.
• تعثر التمويل: الرد حد أدنى ممول من الموازنة.
• ألا يصل الخبر إلى صغار المربين: الرد الإذاعة والرسائل الصوتية والاتحادات.
كيف تحاسبنا
ما ننشره كل سنة
• عدد أيام إغلاق السوق في السنة، وسبب كل إغلاق.
• عدد الشحنات المردودة وأسبابها.
• تاريخ إعلان شروط كل موسم، وهل سبق الموسم بستة أشهر.
• قيمة صادر الحيوانات الحية كما ينشرها بنك السودان المركزي، وكانت ٤٦٦٫٢٦ مليون دولار في ٢٠٢٥.
ونستهدف بنهاية السنة الثانية محضراً موقعاً ومنشوراً ومحجرين معتمدين، وألا يقع إغلاق لسبب غير مرض مؤكد، وأن يكون الإغلاق عند المرض أقصر من الحظرين السابقين. فإذا لم تتحرك هذه الأرقام فقد قصرنا.
صلتها برؤية الحزب
خطوة نحو سودان ضمن أفضل خمس دول أفريقية
تنفذ هذه السياسة المشروع ١٤ «سوق ما بينقفل فجأة قدام مواشيك» في برنامج الخارجية، الذي يرى السودان ضمن أفضل خمس دول أفريقية في الاستثمارات المباشرة والبعثات الدبلوماسية. ولا تحقق سياسة واحدة هذه الرؤية، لكن سوقاً معلومة الشروط تجعل الاستثمار في المحاجر والمسالخ وتجارة الماشية أقل خطراً، وتجعل علاقتنا بأكبر سوق لماشيتنا علاقة مكتوبة تُراجع كل سنة.